المسؤولية في الحوادث المرورية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد،

قد تنوعت وسائل المواصلات، وتيسر استخدامها، وكثر المستفيدون منها، وتأتي السيارات كأحد أهم هذه الوسائل. حتى لا يكاد شخصٌ يستغني عنها. ومع ذلك، فإنه قد نجم عن سوء استخدامها آثار سلبية. أهمها ما ينشأ عنها من حوادث مرورية مفجعة، تتسبب في إزهاق الأرواح وتلف الممتلكات.

وتأتي هذه المقالة لتسليط الضوء على الأحكام المنظمة للمسؤولية التقصيرية لسائق السيارة الناشئة عن حوادث المرور. وفقًا لنظام المعاملات المدنية السعودي ونظام المرور ولائحته التنفيذية.

أولًا: التعريف بالمسؤولية التقصيرية وحوادث المرور

تعريف المسؤولية التقصيرية: يقصد بالمسؤولية في الفقه القانوني بوجه عام: “حالة الشخص الذي ارتكب أمرًا يستوجب المؤاخذة”.

وتعريف آخر “المسؤولية الناشئة عن الفعل الضار، أي عن الإخلال بالالتزام النظامي العام الواقع على الكافة بعدم الإضرار بالغير”.

تعريف حوادث المرور: عرفت المادة (59/1) من نظام المرور الحادث المروري بأنه: “ما نتج من جراء استخدام المركبة أو نتج عن حمولتها دون قصد وهي في حالة حركة أما ما يحدث على المركبة أو منها وهي واقفة وكذلك حوادث العمد فيختص بالتحقيق في ذلك أقسام الشرطة وإذا حدث حريق لمركبة وهي واقفة فيختص بالتحقيق في ذلك الدفاع المدني”.

وبناء على ما سبق، فيمكن تعريف المسؤولية التقصيرية لسائق السيارة الناشئة عن حوادث المرور بأنها: المسؤولية الناشئة عن إخلال سائق السيارة بالالتزام النظامي الذي يقتضي منه القيام بواجب حراسة السيارة، لوقاية الغير من ضررها.

ولتنوع الأضرار المترتبة على الحوادث المرورية قسَّم نظام المرور هذه الحوادث إلى قسمين، وذلك على النحو الآتي:

  1. الحادث المروري البسيط، وهو ما ينتج عنه أضرار وتلفيات بالممتلكات خاصة أو عامة ونتج عنه إصابة تؤدي إلى ألم بالمصاب دون الحاجة إلى نقله للمستشفى.
  2. الحادث المروري الجسيم، وهو ما ينتج عنه حالة وفاة أو إصابة بليغة تستوجب نقل المصاب للمستشفى أو تنويمه أو تلفيات جسيمة.

ثانيًا: تحديد نسبة المسؤولية في الحوادث المرورية

لقد وضع نظام المرور السعودي بعض المواد التي تُوضح المسؤولية القانونية عن الحوادث المرورية؛ فقد نصت المادة (60) من نظام المرور السعودي على:

“يعد الحادث المروري موجبًا للمسؤولية إذا نتج عن الإهمال، أو قلة الاحتراز، أو عدم مراعاة الأنظمة.”

تُوضح هذه المادة متى يترتب على الحادث مسؤولية قانونية؛ في حالة وقوع الحادث بسبب الإهمال أو عدم الالتزام بالقوانين المرورية، أما فيما يخص آلية تحديد نسبة المسؤولية نوجزها لكم كالآتي وفقًا للمادة (60) من نظام المرور السعودي:

بدايةً تقع المسؤولية في الحادث المروري عند وجود علاقة سببية بين الفعل والنتيجة بصورة مباشرة أو غير مباشرة ويُعفى سائق المركبة من الحق العام إذا وقع الحادث بسبب قوة قاهرة خارجة عن إرادته، وإذا وقع حادث مروري كان أحد أطرافه حيوان فيتحمل المسؤولية في حال ثبوتها مالكه أو المسؤول عنه.

وتتحدد نسبة الخطأ وفق المعيار النسبي (100%, 75%, 50%, 25%) وفق الأسباب التالية:

  1. الإهمال: ترك عمل كان يجب فعله، أو الامتناع عن اتخاذ فعل يوجبه الحذر والاحتياط ولو اتخذ ذلك الفعل لما وقع الحادث المروري.
  2. قلة الاحتراز: ارتكاب فعل خاطئ يدل على قلة التبصر وعدم تقدير النتائج.
  3. عدم مراعاة الأنظمة: ارتكاب فعل يخالف الأنظمة الواجب إتباعها.

ويتم تحديد نسبة المسؤولية في الحادث المروري من قبل محقق الحادث وبإشراف الضابط المختص أو مدير الشعبة أو القسم المعني، وفي حال تعذر تحديد المسؤولية لأسباب مقنعة، فيتم إحالة أطراف الحادث إلى المحكمة المختصة للنظر في تحديد المسؤولية بالوجه الشرعي وذلك بعد استكمال كافة إجراءات الاستدلال والمعاينة.

ثالثًا: الحق العام والحق الخاص في الحوادث المرورية

نظمت المادة (61) من نظام المرور السعودي ما يترتب على الحوادث المرورية من الحق العام والخاص وأبرز ما جاء بها الآتي:

  1.  في حال وقوع حادث مروري ترتب عليه حق عام، تباشر الإدارة المختصة إجراءات الاستدلال في الحادث فور وقوعه، على أن تشعر النيابة العامة به وترفع إليها ملف القضية وفقاً لنظام الإجراءات الجزائية.
  2. في حال وقوع حادث مروري ترتب عليه حق خاص فقط، فعلى الإدارة المختصة إيقاف المتسبب في الحادث مدة لا تتجاوز (٢٤) ساعة، ما لم يقدم كفالة غرميه أو حضورية أو ما يضمن الوفاء بالحق الخاص، فإن لم يقدم أيا من ذلك، يُحال إلى المحكمة المختصة- وفقاً للإجراءات النظامية- بعد انقضاء المدة المشار إليها في هذه الفقرة.”

تُوضح هذه المادة الإجراءات النظامية التي يتم اتباعها عند وقوع حادث مروري في المملكة العربية السعودية، حسب نوع الحق المترتب عليه، سواء كان حقًا عامًا أو حقًا خاصًا، وفي جميع الحالات إن تسبب الحادث المروري بإصابات لأحد الأطراف فيكون التعويض عنها حسب تقدير لجنة مقدري الشجاج، وذلك من خلال رفع دعوى تعويض لدى الدوائر المرورية بالمحاكم العامة.

رابعًا: الاعتراض على نسبة المسؤولية في الحوادث المرورية

 تُعد إجراءات الاعتراض على حادث مروري في السعودية حقاً كفله النظام لضمان العدالة وتحقيق الدقة في تقدير المسؤولية ونسبة الخطأ، ويجب الالتزام بالمدد النظامية للاعتراض، حيث إن وعي أطراف الحادث بحقوقهم الإجرائية يساهم في تصحيح أي خطأ قد يقع أثناء مباشرة الحادث، مما يضمن حصول كل ذي حق على حقه دون جفاء أو تقصير، وتكون آلية الاعتراض وفق الآتي:

  1. مراجعة تقرير الحادث بدقة: قراءة كل بند في التقرير، وقت الحادث، مكانه، اتجاه كل سيارة، وصف الأضرار، رسم الكروكي، ونسبة الخطأ.
  2. جمع الأدلة:
    • صور مكان الحادث والسيارات.
    • تسجيلات كاميرات قريبة (إن توفرت).
    • شهادة الشهود إن وُجدوا.
    • أي محاضر أو تقارير سابقة مرتبطة بالحادث.
  3. التحقق من الجهة التي أعدّت التقرير: هل التقرير صادر من المرور مباشرة، أم من شركة نجم (في الحوادث المغطاة بالتأمين الشامل أو ضد الغير)
  4. تقديم الاعتراض خلال المدة المحددة: يجب تقديم الاعتراض خلال عشرة أيام من تاريخ وقوع الحادث ما لم يكن هناك عذر تقتنع به الجهة المختصة.
  5. تقديم الاعتراض لدى الجهة المختصة:
  6. عبر منصة أبشر خدمة الاعتراض على الحوادث المرورية.
  7. من خلال منصة نجم أو تطبيق نجم في الحوادث التي باشرتها الشركة.
  8. برفع دعوى من خلال منصة ناجز أمام الدائرة المرورية في المحكمة العامة، ويفضّل أن تكون من خلال محامٍ مختص، لتفادي التنازل عن حق مهم أو تفويت مدة نظامية.

خامسًا: الحالات التي يحق فيها لشركة التأمين الرجوع على المؤمن له

نظمت الوثيقة الموحدة للتأمين الإلزامي على المركبات الحالات التي يحق فيها لشركة التأمين الرجوع على المؤمَّن له أو السائق وذلك لاسترداد ما تم تقديمه للطرف الثالث من تعويضات في أي من الحالات الآتية:

  1. السير بالمركبة عكس اتجاه السير. تجاوز الإشارة الحمراء. أي مسؤولية أو مصاريف تنشأ أو تترتب عندما تكون المركبة:
  2. مستعملة على وجه يخالف قيد الاستعمال المبين في جدول الوثيقة.
  3. تحمل عددًا من الركاب يتجاوز السعة المصرح بها للمركبة، وثبت أن حصول الحادث كان بسبب هذا التجاوز. إذا ثبت أن قيادة المركبة تمت دون الحصول على رخصة قيادة لنوع المركبة طبقًا للأنظمة واللوائح ذات العلاقة، أو أن تكون الرخصة قد صدر أمر بسحبها من الجهات المختصة، أو كانت منتهية وقت الحادث مالم تجدد الرخصة المنتهية خلال (50) يومًا من تاريخ الحادث.

أما إذا كانت المركبة مسروقة أو مأخوذة غصبًا فإن للشركة حق الرجوع على المتسبب في الحادث، ولها الرجوع على المؤمن له في حال لم يقم بإخطار الجهات المختصة دون عذر مقبول.

سادسًا: المهلة المحددة لشركة التأمين في الرجوع على المؤمن له

يجب على شركة التأمين إخطار المؤمن له أو السائق خلال عشرين يوم عمل من تاريخ تقديم المطالبة التي تنطبق عليها إحدى حالات الرجوع، وفي جميع الأحوال لا يجوز لشركات التأمين الرجوع على المؤمن له بأي مبالغ بعد مرور سنة من تاريخ تسوية المطالبة وذلك عند ارتكاب المؤمن له أو سائق المركبة المؤمن عليها لمخالفات مرورية أو الإخلال بشروط وثيقة التأمين كما ذكرنا آنفًا.

ختامًا

تُعد المسؤولية الناشئة عن حوادث المرور وما يرتبط بها من حقوق والتزامات بين أطراف الحادث وشركات التأمين من المسائل القانونية الدقيقة، لا سيما في الحالات التي يثبت فيها حق شركة التأمين في الرجوع على المؤمن له وفقًا لأحكام الوثيقة والأنظمة ذات الصلة، ونظرًا لما قد يترتب على هذه القضايا من آثار مالية ونظامية، فإن الاستعانة بمحامٍ مختص تمثل خطوة جوهرية لحماية الحقوق والتعامل مع المطالبات أو الدعاوى بكفاءة، وفي مكتب المحامي عماد الساعدي للمحاماة والاستشارات القانونية نمتلك خبرة عملية في قضايا حوادث المرور ومنازعات شركات التأمين، ونسعد بتقديم الدعم القانوني والاستشارات المتخصصة، ولأي استفسار أو رغبة في تقييم الحالة، يمكنكم حجز استشارة قانونية وسيتولى فريقنا خدمتكم بكل احترافية.

أ. رغد محمد الحربي

فريق عمل عماد للمحاماة والإستشارات القانونية والشرعية

 

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *